العلامة المجلسي

8

بحار الأنوار

عن صلاة الخوف فنزل ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) الآية هو في الظاهر كالمتصل به ، وهو منفصل عنه ( 1 ) .

--> ( 1 ) وأخرج ابن جرير عن علي عليه السلام ( على ما في الدرر المنثور ج 2 ص 209 ) قال : سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا : يا رسول الله انا نضرب في الأرض فكيف نصلى ؟ فأنزل الله : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) ثم انقطع الوحي . فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وآله فصلى الظهر فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم ! فقال قائل منهم : ان لهم مثلها أخرى في أثرها ، فأنزل الله بين الصلاتين : ( ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ) إلى قوله ( ان الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) فنزلت صلاة الخوف . أقول : قصر صلاة السفر ثابت بالسنة القطعية من رسول الله صلى الله عليه وآله ، وعليه روايات الفريقين متواترة ، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقصرون صلاتهم اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، حتى أما إذا جاء التابعون وظهر أصحاب الرأي والفتيا ، توهموا أن حكم القصر في الصلاة إنما ثبت بالآية الكريمة : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) فجعلوه رخصة لا عزيمة . ولكنهم مع ذلك مجمعون كالشيعة على أن الخوف من فتنة الأعداء ليس بشرط في قصر الصلاة ، وإنما هو شرط في صلاة الخوف على الهيئة المخصوصة ، ولذلك أعضل عليهم توجيه لفظ الآية حيث علق صريحا كون المخافة من العدو شرطا لقصر الصلاة . فذهب بعضهم إلى أن حكم القصر في الاسفار ، إنما يثبت بالسنة ، وان كانت الآية بظاهرها تدل على أن القصر يثبت بشرطين : السفر والمخافة معا ، فحكم الآية بوجوب القصر مع الشرطين ، لا ينافي حكم السنة بوجوبه مع شرط واحد . وبعضهم كأبي بن كعب أنكر نزول الشرط الثاني رأسا وكتب في مصحفه : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان يفتنكم الذين كفروا ) الآية فحينئذ تكون الحكم ثابتا من الله عز وجل خوفا منه على الأمة أن يفتنهم الذين كفروا ، فيعم حال السفر مطلقا خاف المسلمون أنفسهم أولم يخافوا كما في قوله تعالى ( يبين الله لكم أن تضلوا ) أي مخافة منه أن تضلوا . لكنه قد ذهب عليه أن قوله تعالى : ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) يصرح بأن حكم القصر إنما كان في ظرف المخافة وعدم الطمأنينة ، فلا يفيد انكاره نزول ( ان خفتم ) كما أن قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم ) الآية إنما ينظر إلى سفرهم وخوفهم من الأعداء ، وهو واضح . ثم إنه قد أتى بعضهم الاخر ببدع واختلق حديثا نسبه إلى عظماء الأصحاب بأن صدر الآية نزلت قبل ثم انقطع الوحي ، ثم نزل تتمه الآية بعد سنة ، وهو كما ترى لا يدفع الاشكال ، بل يثبته . وذلك لان الشرط : ( ان خفتم أن يفتنكم ) أما إذا لحق بصدر الآية وفيها حكم القصر ، صار مقيدا لاطلاقه ، ولزم بعد نزوله اشتراط حكم القصر بالخوف من فتنة الأعداء وجاء الاشكال برمته بعد سنة ، وإذا لم يلحق بصدر هذه الآية وهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة صار ذيل الآية : ( ان خفتم ) الخ لغوا من القول تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .